فخر الدين الرازي

525

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

أما قوله تعالى : فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ففيه قولان . الأول : قال أبو مسلم قوله تعالى : فَبَدَّلَ يدل على أنهم لم يفعلوا ما أمروا به ، لا على أنهم أتوا له ببدل ، والدليل عليه أن تبديل القول قد يستعمل في المخالفة ، قال تعالى : سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ [ الفتح : 11 ] إلى قوله : يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ [ الفتح : 15 ] ولم يكن تبديلهم إلا الخلاف في الفعل لا في القول فكذا هاهنا ، فيكون المعنى أنهم لما أمروا بالتواضع وسؤال المغفرة لم يمتثلوا أمر اللّه ولم يلتفتوا إليه . الثاني : وهو قول جمهور المفسرين : إن المراد من التبديل أنهم أتوا ببدل له لأن التبديل مشتق من البدل ، فلا بد من حصول البدل ، وهذا كما يقال : فلان بدل دينه ، يفيد أنه انتقل من دين إلى دين آخر ، ويؤكد ذلك قوله تعالى : قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ ثم اختلفوا في أن ذلك القول والفعل أي شيء كان ؟ فروي عن ابن عباس أنهم دخلوا الباب الذي أمروا أن يدخلوا فيه سجداً زاحفين على أستاههم ، قائلين حنطة من شعيرة ، وعن مجاهد أنهم دخلوا على أدبارهم وقالوا : حنطة استهزاء ، وقال ابن زيد : استهزاء بموسى . وقالوا : ما شاء موسى أن يلعب بنا إلا لعب بنا حطة حطة أي شيء حطة . أما قوله تعالى : الَّذِينَ ظَلَمُوا فإنما وصفهم اللّه بذلك إما لأنهم سعوا في نقصان خيراتهم في الدنيا والدين أو لأنهم أضروا بأنفسهم ، وذلك ظلم على ما تقدم . أما قوله تعالى : فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ ففيه بحثان : الأول : أن في تكرير : الَّذِينَ ظَلَمُوا زيادة في تقبيح أمرهم وإيذاناً بأن إنزال الرجز عليهم لظلمهم . الثاني : أن الرجز هو العذاب والدليل عليه قوله تعالى : وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ أي العقوبة ، وكذا قوله تعالى : لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ [ الأعراف : 134 ] وذكر الزجاج أن الرجز والرجس معناهما واحد وهو العذاب . وأما قوله : وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ [ الأنفال : 11 ] فمعناه لطخه وما يدعوا إليه من الكفر ، ثم إن تلك العقوبة أي شيء كانت لا دلالة في الآية عليه ، فقال ابن عباس : مات منهم بالفجأة أربعة وعشرون ألفاً في ساعة واحدة ، وقال ابن زيد : بعث اللّه عليهم الطاعون حتى مات من الغداة إلى العشي خمس وعشرون ألفاً ، ولم يبق منهم أحد . أما قوله تعالى : بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ، فالفسق من الخروج المضر ، يقال فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها وفي الشرع عبارة عن الخروج من طاعة اللّه إلى معصيته ، قال أبو مسلم : هذا الفسق هو الظلم المذكور في قوله تعالى : عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا وفائدة التكرار التأكيد والحق أنه غير مكرر لوجهين . الأول : أن الظلم قد يكون من الصغائر ، وقد يكون من الكبائر ، ولذلك وصف اللّه الأنبياء بالظلم / في قوله تعالى : رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا [ الأعراف : 23 ] ولأنه تعالى قال : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [ لقمان : 13 ] ولو لم يكن الظلم إلا عظيماً لكان ذكر العظيم تكريراً والفسق لا بد وأن يكون من الكبائر فلما وصفهم اللّه بالظلم أولًا : وصفهم بالفسق ، ثانياً : ليعرف أن ظلمهم كان من الكبائر لا من الصغائر . الثاني : يحتمل أنهم استحقوا اسم الظالم بسبب ذلك التبديل فنزل الرجز عليهم من السماء بسبب ذلك التبديل بل للفسق الذي كانوا فعلوه قبل ذلك التبديل وعلى هذا الوجه يزول التكرار .